علي بن أحمد المهائمي

263

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

[ الأعراف : 157 ] ، وقوله : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] ونحو ذلك ( انبساط نورها ) أي نور الحكمة بحيث تقيد الصفاء الكلي ، ولا تحوج إلى علم آخر ( على حضرة الخيال ) التي هي خزانة صور المحسوسات ليكشف له في لبسها المعاني الغيبية من غير انحراف فيها ، ( وهو ) أي : انبساط نور الحكمة على حضرة الخيال ( أول مبادئ الوحي الإلهي ) ، فإن الوحي لما كان إلقاء المعاني الغيبية على الروح ، ولا تعرفها النفس المحجوبة إلا بواسطة قواها الباطنة ، ولا يصفو ما فيها إلا عند تنورها بنور الحكمة ، وأول ما يتنور منها قوة الخيال ؛ فتصغو منها الصور المخزونة عن الالتباس والاختلاط ، فيصح فيها الكشف الصوري في المنام ، ثم في اليقظة . وغاية ذلك أن تصبر النفس متنورة بنور الروح ، فلا يحتاج إلى الوسائط ، فللوحي مبادئ وغاية وأول مبادئه انبساط نور الحكمة الفائضة على الروح إلى حضرة الخيال ( في أهل العناية ) ، وهم الأنبياء - عليهم السّلام - ثم الأولياء اعتني بهم في تصحيح كشوفهم عما يعرض لأصحاب أضغاث الأحلام في اليقظة أو المنام ، وفي رعاية أحوال عقولهم حتى لا تدهش بما ليس لها به ألفة إذا رأته بغتة . واستدل على أنه أول مبادئ الوحي بأثر عائشة - رضي اللّه عنها - فقال : ( تقول عائشة - رضي اللّه عنها : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي . . ) أي : إلقاء المعاني الغيبية عليه ( « الرؤيا الصادقة » « 1 » ) المطابقة صورة المرئي فيها صورته في عالم الحس الظاهر » ، فلا تحتاج إلى التعبير إذ المحتاج إليه إنما يصدق باعتبار التأويل ؛ ولذلك قالت : ( « فكان لا يرى رؤيا إلا » ) جاءت في الحس الظاهر ( مثل فلق الصبح » « 2 » ) في كشف الحجاب عن خفائها فكأنها ( تقول : لا خفاء بها ) فنسب إليها القصور بهذا القول ، فقال : ( وإلى هاهنا ) أي : القول بعدم الخفاء في الصور إذا انتهت إلى الحس الظاهر ( بلغ علمها لا غير ) مع أن الصور ليست مقصودة بذاتها ، فلها معان خفية لا تظهر إلا عند تمام كشف الحجب في الآخرة . ثم قالت : ( « وكانت المدة في ذلك ستة أشهر ، ثم جاءه الوحي على لسان الملك » ) فغلطها أولا في تعيين المدة ، ثم في مجيء الملك مخالف لحالة الرؤيا بالكلية ، فقال : ( وما علمت ) حين قيدت المدة بستة أشهر ( أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد قال : « إن الناس نيام » )

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 4 ) ، ومسلم ( 1 / 348 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 4 ) ، ومسلم ( 1 / 140 ) .